ماركوس اوريليوس
ماركوس اوريليوس انطونينوس الأمبراطور الروماني الفيلسوف. كان آخر" خمسة اباطره جيدون "حكموا الامبراطوريه الرومانيه من 96 إلى 180 ، كما أنه يعتبر من أهم الفلاسفة الرواقيين.
تميز عهده بالحروب في آسيا ضد اعادة الامبراطوريه البارثانية ، والقبائل الجرمانيه إلى بلاد الغال عبر نهر الدانوب. والتمرد الذي حدث في الشرق بقيادة افيديوس كاسيوس .كفيلسوف فان "تأملات ماركوس اوريليوس التي كتبت في حملته بين 170-180 ، ما زالت تعتبر أحد الصروح الادبية في الحكم والادارة

مسلة ماركوس في روما
ولد في روما يوم 20 ابريل عام 121 الابن الوحيد لدوميتيا لوسيلا وماركوس انيوس فيروس..اما والده فانه من أصل أسباني والذي عمل كمشرع مستشارا في البلاط وتوفي وعمر ماركوس 3 سنوات. وأمه سيدة مثقفة تتقن اللغة الإغريقية وتتمتع بثروة طائلة. ووظفت الأم ثقافتها وثروتها في تعليم ابنها وتقويم شخصيته، فغرست فيه حب الشعر والفلسفة والهندسة والموسيقا والأدب اللاتيني والأدب الإغريقي. وبالرغم من أن الفترة التي عاش فيها أوريليوس امتازت بالنزاعات الداخلية والحروب وصف المؤرخون الأوائل هذه الفترة بأنها عصر ذهبي نظرا إلى لما تميز به حكم أوريليوس من عدل وازدهار بالقياس إلى حكم ابنه كومودوس ما بين عامي 180 و192 ميلادية الذي امتاز بالوحشية وسفك الدماء.
ماركوس كان من اصول ملكية فجدته لابيه (روبيلة فاوستينا) كانت الامبراطورة الرومانية ، وزوجة الامبراطور الروماني هادريان. وفي نفس الوقت هي اخت غير شقيقة (لفيبيا سابينا) وابنتي سالونينا ماتيديا بنت اخ الامبراطور الروماني تراجان . عمته فاوستينا الكبرى كانت زوجة للامبراطور انطونيو بيوس .
ماركوس هو ابن اخت الأمبراطور (لاحقاً) انطونيوس بيوس. وبعد اعتلاء انطونيوس بيوس منصب الامبراطورية تبنى ماركوس الذي بات يعرف بماركوس ايليوس اوريليوس انطونيوس وزوّجه من ابنته عام 145. وعام 161 أصبح ماركوس امبراطوراً، وظل في الحكم حتى وفاته بداء الطاعون في فيينا (يندوبونا) عام 180، بعد حملة عسكرية قادها في شمال وسط أوروبا.

طوال هذه الفترة خاض ماركوس اوريليوس حروب دفاعية عن ارجاء امبراطوريته الضخمة على الجبهتين الشمالية والشرقية، منها نجحت قواته في رد هجمات البارثيين الإيرانيين على اراضي سورية عام 166.وحافظ على سورية الرومانية كأهم مناطق الامبراطورية, وفي خضم همومه السلطوية والاستراتيجية كان مهتماً بالتشريع والقوانين واصول الادارة. في سنة 166 م أرسل الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس من مستعمرته في الخليج الفارسي مبعوثاً إلى الصين.
من ناحية ثانية، برغم حرصه على الصالح العام الذي تجسد في اقدامه على بيع ممتلكاته الخاصة لتخفيف محنة مواطنيه من المجاعة والأوبئة ومساعدته للفقراء وتشييده المستشفيات والمياتم، فإنه ناهض المسيحية واعتبرها مصدر تهديد للامبراطورية.
لم يكن ماركوس اوريليوس مجرد إمبراطور رومانى ولكنه كان أيضاً فيلسوفاً، حضر إلى مصر أثناء الثورة التى قادها أفيديوس كاسيوس بمساندة الشعب السكندرى الذى استغل إشاعة موت ماركوس اوريليوس.
لكن ماركوس اوريليوس لم يقم بمحاربة الشعب السكندرى وإنما عفى عنهم لمساندتهم لأفيديوس.
لم تكن حياة الامبراطور ماركوس اوريليوس سهلة رخية ، بل كانت حافلة بالمتاعب والاعباء ، متاعبه مع شريكه في الحكم " لوسيوس فيروس " المتردد المرتبك ، ومع الفرس الذين هاجموا اطراف الدولة الشرقية في ارمينيا غداة اعتلائه للعرش الروماني ، وحروبه المتصلة مع الجرمان الذين نهض لحربهم بنفسه ، بحيث انه قضى معظم سني حكمه بعيدا عن روما لا يقيم فيها الا ما ندر ، ثم خيبة امله بابنه كومودوس النهم الشره المستسلم لاهوائه ونزواته ، وحتى في حياته العائلية لم يكن موفقا مع زوجته فوستينا التي كانت تصرفاتها لا تليق ابدا بزوجة امبراطور .

ولكن تلك المحن التي عاشها هذا الامبراطور الفيلسوف لم تزعزع ابدا ايمانه بقيم الخير والحق في هذا العالم الفاني ، وقد ترك افكاره وتصوراته عن هذه القيم في مذكراته النفيسة التي حملت عنوان " خواطر " ، والمدونة في اثني عشر فصلا ، دونها الامبراطور في سنواته الاخيرة اثناء حروبه المتصلة مع الجرمان .
وفي هذه المذكرات ، يبدو لنا هذا الرجل انسانا مؤمنا بالقيم النبيلة ، وروحا شريفة نبيلة ، طابعها الاول ، الصدق والاخلاص للحق ، وقد كان في حياته العامة وتصرفاته مخلصا لهذه المبادئ ، بحيث انه يعرف في التاريخ الروماني بلقب " الصادق " او" الصدوق " الذي اشتهر به في حياته وبعد مماته .
فهو يقول لمن حوله : (( احتفظ بطابعك الاصيل كما هو ، قل الحق مهما كلفك الامر ، ولا تحد عنه قيد لفظة )) ، وهذا لا يتحقق الا اذا كان الانسان مصغيا دائما الى (( الاله المقيم في قلبه )) ، وهو يؤمن " بالعقل الكلي " او العقل الكوني " الذي (( هو مصدر كل قوة وحياة وعقل وعلة ، وهو بحد ذاته قوة الهية تسري في العالم " كما يسري العسل في اقراصه " فتنعشه وتحييه وتسيره بعدل وحكمة .
وامام مظاهر الشر التي يلاحظها الانسان في هذا العالم ، فان عليه ان يدرك الحكمة الخافية وراء ذلك ، وعليه ان يدرك الخير الكامن خلف ذلك الشر فيقول : (( ان كل ما يتم ويقع انما هو نتيجة ضرورية لتصرف ذلك العقل الكوني ، فلا بد من ان يكون حسنا وعادلا ، ولابد من ان نتقبله بالصبر ، لا بل بالرضى والحب.

ان هذه النظرة الى النظام الكوني الكلي هي التي تمنحه السكينة والطمانينة ، ليستطيع تحرير نفسه من الخوف الذي يعتريه امام تقلبات الدنيا وتصاريف القدر ، وهو يقر بضعفه عن ادراك كل هذا في بعض المرات ، فيناجي نفسه قائلا : (( يا نفس ، هلاّ تبقين دائما طيبة صالحة مستقيمة ، ملتمة بعضك على بعض ، مجردة ، تظهرين بجلاء من وراء الجسد غلافك ؟ اتكونين حقا مغتبطة دائما ، لا تتحسرين على شئ ولا ترغبين بشئ ، مطمئنة الى ما انت عليه الان ، متيقنة من ان كل ما يحدث لك هو الخير ، وهو البلاغ المبين الذي يصلك من الله ؟
وهكذا يريد اوريليوس ان يصل بنفسه الى اعلى درجات الرضا والتسليم للقدر ، مع ايمانه بان كل ما قدر عليه هو خير له ، حتى الموت الذي يراه " اشد اسرار الطبيعة وقعا وهولا على الانسان " ، يجب ان يستقبله الانسان بالرضا حتى يفارق الحياة راضيا مطمئنا " مثلما تفارق حبة الزيتون اليانعة شجرتها ، وهي تشكر الارض التي غذتها والشجرة التي حملتها " ، لان الموت في نظره ليس نهاية الانسان ، بل هو متمم لحياة الحكيم صاحب الروح المطمئنة الى ما اعد الله لها من مصير بحكمته ورحمته عزوجل .
هذه مقتطفات من " خواطر " الرجل الذي عرفه التاريخ فيلسوفا اكثر منه حاكما ، وانسانا اكثر منه امبراطورا .

استعمل أوريليوس اللغة الإغريقية في كتابة تأملاته، وهي اللغة المفضلة في كتابة الفلسفة في عصره. والحق أن أوريليوس لم ينقح كتاباته، وليس هناك ما يشير إلى انه كان يعدها للنشر. سجل فيلسوفنا هذه التأملات في أوقات الاستراحة ما بين المعارك في السنوات العشر الأخيرة من حياته. ولم تعد المخطوطات الأصلية موجودة بين أيدينا. ولا شك أن أحدا لم يطلع عليها في أثناء حياته. ولم تترجم هذه التأملات إلى اللغة الانكليزية حتى عام 1634

حظي أوريليوس باحترام واسع في أثناء حياته وبعد مماته، ولم يتعرض لنقد كثير مع أن البعض اتهمه باضطهاد المسيحيين في الإمبراطورية، ولامه البعض الآخر على السماح لابنه بان يتولى شؤون الإمبراطورية من بعده. ولكن كتب التاريخ في ذلك الزمان قالت إن أوريليوس كان أفضل من حكم الإمبراطورية الرومانية. وقال مؤرخ انه لولا أوريليوس لما تمكنت الإمبراطورية الرومانية من الصمود في وجه
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ